ما بعد سنواتي الأولى
أنا في الحادية والعشرين من عمري، لكن تجاربي جعلتني أنضج قبل أواني، لأن ما مررت به ترك أثرًا عميقًا. بدأت حياتي في قرية جينصافوط قرب محافظة رام الله، قرية والدتي. كانت طفولتي المبكرة ألطف فترة في حياتي، لأن جدي كان قريبًا مني جدًا. وعندما توفي وأنا في السادسة، كانت تلك أول خسارة كبيرة في حياتي. بعد ذلك تغيّر كل شيء. انتقلنا إلى مخيم عسكر القديم في محافظة نابلس، الذي ينحدر منه والدي. أصبحنا عائلة كبيرة: ستة أطفال ووالداي اللذان كانا يعملان من الفجر حتى المساء لتأمين الأساسيات.
صدمة ”المخيم“
كان المخيم مختلفًا عن قريتي إلى حدّ التناقض. البيوت متلاصقة بلا خصوصية، والأصوات تخترق الجدران لتصل إلينا. بالنسبة لطفلة خجولة مثلي، كان المخيم أشبه بحصار. لا أنسى يومًا في الروضة، حين امتدت يد المعلمة لتصفع وجهي لأنني لم أتقن الغناء. كانت تلك الصفعة أكثر من مجرد ألمٍ على خدي؛ بل تعدته لتزرع في داخلي خوفًا من الآخرين وشعورًا بالظلم. ومنذ ذلك اليوم أصبحت أكثر خوفًا، بدأت أتجنب الناس، ولم أستطع تكوين صداقات حقيقية.
الفراغ الذي يملأ البيت
رغم أنني أصغر الأبناء، نشأت في فراغ عاطفي غريب؛ سببه غياب والدي. كان يخرج مع الفجر ويعود بعد الغروب، يأكل وينام. والأصعب من ذلك أنه لم يكن يعانقني أو حتى يقول كلمة بسيطة مثل “يا غاليتي”. في المقابل كانت أمي هي الرئة التي نتنفس بها، تحمل ضغوط الحياة وتدخلات العائلة الممتدة. عشنا في بيت العائلة مع جدتي وعماتي وأعمامي، وكانت التدخلات مستمرة، والمشاكل بين أمي وأبي تتفاقم بسببهم. ومع ذلك حاولت أمي أن تكون كل شيء في حياتنا. لا أنسى كيف كانت تعمل فقط لتؤمّن لي دروس التوجيهي. نجحت، لكن الجامعة كانت مكلفة، فاخترت الكلية العصرية الجامعية في رام الله لأنها مجانية للاجئين.
فقدان السند
في السنة الأولى من الجامعة استُشهد أخي. انهرنا أنا وأمي لأنه كان سندنا، من يدافع عنا ويقضي حاجاتنا. بعد استشهاده أصبح البيت ثقيلاً جدًا، وتدهورت العلاقة بين والدي ووالدتي لدرجة الانفصال. لذلك لم أستطع إكمال الدراسة في الكلية، وبقيت مع أمي التي كانت تواجه عنفًا وظلمًا. وكانت جدتي تلوم أمي مرارًا وتحمّلها مسؤولية فقدان أخي. ازداد الضغط، وقررت أمي العودة إلى عائلتها لأنها لم تعد تستطيع تحمل الحياة في المخيم.
من ضيق إلى ضيق آخر
عدنا إلى بيت عائلة أمي. ظننت أن الانتقال سيكون أفضل، وأن وضعي ووضع أمي سيتحسن، لكن الأمر لم يكن كما توقعت. تراكم الحزن مع القيود ومع الفقد كاد يخنقني. دخلت في حالة اكتئاب واضحة. في إحدى المرات فقدت وعيي؛ وبعدها ذهبت إلى طبيب أعصاب ووصف لي أدوية للاكتئاب، لكن لم يتحسن شيء. بالعكس شعرت أنني أغرق أكثر، ووصلت إلى أسوأ مرحلة في حياتي — فكرت في الانتحار.
الضوء في نهاية النفق
في نهاية كل نفق هناك ضوء يمنحنا الأمل، وبالنسبة لي كان هذا الضوء ابن عمي الذي أصبح سندًا حقيقيًا لي. كانت علاقتي به قوية جدًا؛ وبعد استشهاد أخي اعتبرته أخاً لي. شجعني على التقرب من الله والصلاة، والأهم أنه دفعني لخطوة عملية. كان يقول لي: “سجلي في الجامعة، اختاري تخصصاً تحبينه، وابني حياتك من جديد.”
عدت أنا وأمي إلى المخيم، لكن هذه المرة بعقلية مختلفة، عقلية ”المقاتلة“ لا ”الضحية“. التحقت بجامعة النجاح الوطنية، كلية الاقتصاد، تخصص المحاسبة، ثم انتقلت إلى التسويق لأنه كان أنسب لي. كنت أدرس وأحاول رفع معدلي لهدفٍ بسيط هو إسعاد أمي.
من أكثر اللحظات التي لا أنساها أن أحد الدكاترة قال لي: “أنتِ من الطالبات المتميزات، لا تهملي موهبتك.” تلك الكلمات عززت ثقتي بنفسي. ومنذ ذلك الحين بدأت أؤمن أن ما نقوله عن أنفسنا يصنع واقعنا. بدأت أحلم وأبني آمالاً، وأنا واثقة أنني سأصل يومًا لما أريد.
الدعم النفسي ليس رفاهية
أصبحت رحلتي في التعافي أقوى، وبدأت أخطو خطوات أكبر، خاصة بعد انضمامي مع والدتي إلى مجموعة دعم نفسي اجتماعي تضم أمهات وزوجات شهداء. الاستماع لقصص النساء جعلني أرى الحياة بشكل أوسع: لست وحيدةً في الألم، والتعافي ممكن. ساعدتني الجلسات على فهم مشاعري بدل الخوف منها، وتعلمت وضع الحدود والدفاع عن نفسي وعن أمي. سابقًا كنا نسكت أمام الضغط، أما اليوم فأنا أتكلم وأحمي حدودنا ولا أسكت على الظلم.
فخورة بنفسي
عندما أنظر إلى المرآة اليوم، أرى امرأة قوية فخورة بنفسها. في الماضي لم أكن أستطيع النظر إلى نفسي بسبب العزلة والألم، أما اليوم فأنا واثقة من نفسي وأحبها، وممتنة لكل تجربة مررت بها لأنها جعلتني أقوى.
رسالتي لكل امرأة تمر بالتجربة نفسها: تقربي من الله وواصلي. الاستمرارية هي الأهم. ابحثي عن من يدعمك وابتعدي عن المحبطين. أوصي بالحصول على دعم نفسي اجتماعي لأنه يساعد كثيرًا. تذكري دائمًا: بعد كل ليل فجر، وبعد كل ألم شفاء، وبعد كل دمعة ابتسامة. أنتِ أقوى مما تتخيلين، وقادرة على تجاوز أي صعوبة. الحياة جميلة عندما نؤمن بأنفسنا ونثق بقدرتنا على التغيير.



