العدید من التجارب شكّلت مسار حیاتي. ومن خلالھا تعلمت أن القوة تولد من أقسى التجارب واللحظات

ذكريات مؤلمة


أنا زوجة وأم لخمسة أبناء وابنة واحدة. مررت بتجارب صعبة، خاصة بعد استشهاد أحد أبنائي وأسر آخر. كانت هذه التجارب نقاط تحوّل وبداية رحلة التعافي.

نشأت في البلدة القديمة في نابلس، في عائلة كبيرة وظروف صعبة. كنا نعيش مكتظين في بيت واحد؛ أحد عشر شخصًا ينامون في غرفة واحدة. كان والدي صارمًا جدًا ويفرض قيودًا قاسية. لم يكن مسموحًا لي بالخروج أو الاختلاط أو اللعب خارج البيت. كانت طفولتي مليئة بالضغط والخوف. كنت طفلة خجولة ومنطوية، وزاد ذلك بعد إصابة خطيرة في عيني أثرت على حالتي النفسية وثقتي بنفسي. ترك الألم أثرًا نفسيًا عميقًا ما زال مستمرًا، وكلما مررت بأزمة تَضعُف عيني بشكل كبير.

رهان خاسر


لم يكن التعليم أولوية في نظر والدي؛ فمكان البنات كان في بيوت أزواجهن. حاولت التمسك بحقي في التعليم، وكنت أقاوم بصمت حتى تعمدت الرسوب في الصف التاسع لإعادته. ضغطت والدتي على والدي، وأكملت تعليمي حتى الصف الحادي عشر. ثم تزوجت في سن الثامنة عشرة، معتبرةً ذلك فرصة لحياة أفضل وأكثر استقلالًا. في البداية شعرت بالسعادة، لكن الظروف سرعان ما أعادتني إلى الضغوط: العيش مع عائلته، الخلافات، الضيق المادي، والتنقل بين بيوت مستأجرة. كنت أتجنب الصدامات وأتحمل الضغوط من أجل استمرار الحياة الأسرية.

صدمات متتالية

أصعب حدث في حياتي كان استشهاد ابني وأسر ابني الآخر. قبل استشهاده بيومين احتفلنا بعيد ميلاده؛ قال لي: “حضّري الفطور، أريد أن أفطر معك.” كان ذلك آخر فطور وآخر وداع. دخلت في صدمة طويلة وصامتة؛ لم أبكِ ولم أصرخ، كأن روحي تجمدت. وما زاد ألمي أنني شعرت أن زوجي لم يشارك حزني، وتأثرت علاقتي به بشكل كبير. بدأ يمارس عليّ الإساءة النفسية ويتهمني بالإهمال، ثم اكتشفت خيانته، وكانت نقطة تحوّل كبيرة. ولم تنجح محاولات المصالحة. عندها اتخذت قرارًا صعبًا: انفصلت عنه دون طلاق، من أجل أبنائي.

شبكة الأمان

في الفترات الصعبة التي مررت بها، كانت عائلتي والجيران سندًا حقيقيًا. لكن أكبر مصدر دعم لي كان ابني الأسير؛ كانت رسائله تقويني: “كوني قوية حتى أبقى قويًا.” أدركت أن قوتي كانت أيضًا مسؤولية. وأهم تحول في حياتي بدأ عندما التحقت بمجموعة دعم نفسي. في البداية كنت مترددة، لكن وجود أمهات مررن بتجارب مشابهة ساعدني كثيرًا. وجدت مساحة آمنة للتعبير وتعلمت كيف أتعامل مع الصدمات والمشكلات. لأول مرة شعرت أنني مسموعة حقًا، وكأنني بين عائلتي.

بين الأمس واليوم

غيّر الدعم النفسي حياتي بشكل كبير. قوّى شخصيتي وعلّمني كيف أواجه الصعاب وأنهض بعد كل سقوط. انتقلت من الصدمة إلى الحياة من جديد. ليس لأن الألم انتهى، بل لأنني تعلمت كيف أعيش معه دون أن يكسرني. لم أعد تلك الفتاة الخجولة المنطوية؛ أصبحت امرأة قادرة على مواجهة التحديات وصامدة في أصعب الظروف.

رسالتي لكل امرأة تمر بما مررت به: توكلي على الله ثم على نفسك. ثقي بقدرتك على النهوض من تحت الركام، وبقدرتك على الاستمرار وبناء حياة أكثر توازنًا رغم كل ما مررتِ به. لا تخجلي من طلب المساعدة؛ فالدعم النفسي ليس ضعفًا، بل طريق نحو التعافي والحياة. نحن قادرون على الشفاء مهما كان عمق الألم.