كنت يتيمة… ووالدي كان حيًا
بدأت حكايتي في المنفى. وُلدت في منفى قسري في الأردن، حيث كنت أنا وأمي وإخوتي وحدنا، بينما كان والدي قد تركنا ليعيش في مصر، حيث كوّن عائلة أخرى وتزوج ثلاث نساء غير أمي. طفولتي كانت بلا أب وبلا حنان. كان غيابه مؤلمًا لدرجة أنني أنا وإخوتي كنا نرسل له رسائل نتوسل فيها أن يعود، لكنه ترك في قلبي جرحًا لا يلتئم.
من المنفى إلى المخيم
بعد سنوات من الانتظار، أدركت أمي أن والدي لن يعود، فرفعت دعوى طلاق غيابي، وعدنا إلى فلسطين لنستقر في مخيم عسكر الجديد. لاحقًا علمنا أن والدي قد توفي، لكن موته لم يضف شيئًا جديدًا إلى حياتي، لأن غيابه وهو حي كان أشد ألمًا. ظنت أمي أن العودة ستكون بداية استقرار، لكن الواقع كان أقسى؛ فقد سجلتني في مدرسة داخلية، وعشت هناك صراعًا انتهى بقراري العودة إلى البيت.
في بيت جدي، كانت حياتنا صعبة يحكمها الاحتياج؛ لا معيل لنا وكنا نعتمد على أعمامي أو على المؤسسات الإغاثية. كنت طفلة تعيش على “الانتظار”. لم تستطع أمي العمل، فكانت تتألم بصمت، لكنني كنت أشعر بوحدتها وخوفها. كانت حياتنا محاصرة بقرارات الآخرين: لا خروج، لا قرار، لا كلام. كبرت وأنا أخاف أن أضحك بصوت عالٍ، وأُفضل الظلام والعزلة، وأسأل نفسي دائمًا: لماذا كُتب علينا هذا المصير؟
حياة على الهامش
في المرحلة الثانوية، كانت الجامعة حلمًا مستحيلًا. بحثًا عن مخرج، رأيت الزواج الباب الوحيد نحو الحرية. تزوجت في السابعة عشرة، لكن الحياة التي تخيلتها كانت غرفة واحدة في بيت عائلة زوجي، مليئة بالعمل الشاق والتدخلات. احتجنا ثلاث سنوات لنبني مساحة خاصة بنا. تلك الغرفتان منحتاني أول شعور لي بالاستقلال؛ عندها فقط بدأ زواجي يتنفس.
من الانكسار إلى النهوض
جاء خبر استشهاد أخي ليتحول عالمي إلى جحيم. كان سندي ومصدر الحنان في حياتي، وأقرب شخص إلى قلبي. رحيله لم يكن فقدان شخص فقط، بل فقدان الأمان وانكسارًا لم أكن أتوقعه. دخلت في صدمة استمرت عامًا كاملًا، عشت خلالها كجسد بلا روح، أهمل بيتي وأطفالي، حتى أدركت أنني أنقل حزني وانكساري إليهم. كانت تلك اللحظة هي ما دفعني للتغيير. شجعتني إحدى قريباتي على الانضمام إلى جلسات دعم نفسي اجتماعي، ورغم ترددي في البداية، اكتشفت نفسي هناك. تعلمت أن الحزن ليس هوية، وأن من حقي أن أقول “لا” وأن أختار ما يناسبني.
اليوم لم أعد تلك المرأة التي تبكي في الظلام، بل امرأة تعمل، وتدعم بيتها، وتثق بنفسها. حوّلت الفراغ الذي تركه غياب والدي إلى مساحة للنمو، ولن أسمح لأحد أن يسرق ضحكتي مرة أخرى.
رسالتي لكل امرأة مثلي:
لا تضيعي حياتك في الحزن خلف الجدران. اخرجي، تعلّمي، وخذي فرصتك في الحياة. الألم لن يرحل وحده، لكنك قادرة على تغييره وصنع حياتك من جديد. أنتِ أقوى مما تظنين، فلا تنتظري أحدًا ليخبرك بذلك — اكتشفيه بنفسك.



