طفولة مقيدة
كنت البنت الأولى بعد ثلاثة إخوة، وكان ذلك كافيًا ليجعل حياتي محاطة بالمنع والسيطرة. لم يكن مسموحًا لي باللعب في الشارع أو الذهاب إلى الدكان أو حتى عيش طفولتي بشكل طبيعي. كان إخوتي يقررون عني، معتقدين أن خوفهم عليّ يبرر التحكم بي. رغم أنني كنت أحب المواد العلمية وأحلم بالاستمرار في هذا المجال، والتحقت بالفرع العلمي، إلا أن المدرسة كانت بعيدة، فقرروا أن أن على الانتقال إلى الفرع الأدبي. كان القرار مفروضًا عليّ بالقوة. في ذلك اليوم شعرت أن شيئًا بداخلي قد انكسر. وبعد التوجيهي بقيت في المنزل.
لم أكن أحتمل القيود، شعرت أن الجدران تضيق عليّ. طلبت من أمي أن تساعدني، لكنها لم تكن صاحبة القرار. سجلتني في دورة ظننتها تجميلًا، ثم اكتشفت أنها محاسبة. غضبت، ثم استسلمت، ثم وجدت نفسي أبدع فيها. درست الدبلوم وتدربت في قسم المحاسبة في بلدية نابلس، وكنت على وشك العمل. لكن مرة أخرى، انكسرت؛ إذ رفض إخوتي عملي وأصروا على زواجي.
وهُم النجاة
تزوجت من أسير محرر، أُفرج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي بعد حكم مؤبد في صفقة تبادل عام ١٩٩٩. في بداية زواجي كنت سعيدة جدًا، لكنني صُدمت عندما انتقلت من سيطرة إخوتي إلى سيطرة زوجي وعصبيته. كان زواجنا تقليديًا، والحياة لم تكن سهلة. تعلمت كيف أحتوي الغضب، وأتجنب المواجهة، وأعيش على حساب نفسي وصحتي. كان عليّ أن أتأقلم من أجل أبنائي الأربعة.
أكبر خسارة
ثم جاءت الضربة التي لم أكن مستعدة لها: استشهاد ابني الأكبر. تهشمت من الداخل وشعرت أن الحياة توقفت. أصبح البيت مثقلًا بالحزن. انهار زوجي، وانعزل، وتوقف عن العمل والحياة. تشتت أبنائي، وأصبحت أتنقل بينهم كأنني ظل. مرت خمسة أشهر وكأنها عمر كامل.
ثم جاءت لحظة اليقظة، حين شعرت أنني سأفقد أبنائي الآخرين. لم يكونوا يستمعون لي ولا لوالدهم، وشعرت بالخطر وقررت أن أنهض. في تلك اللحظة، قررت طلب المساعدة. نصحتني أم شهيد بالانضمام إلى جلسات دعم نفسي. ذهبت، وكانت تلك بداية التحول. في البداية كنت مترددة ومنكسرة، لكنني هناك لم أكن وحدي. كنا نستمع لبعضنا وندعم بعضنا. فهمت أن حزني ليس ضعفًا، وأن التعافي لا يعني النسيان. شيئًا فشيئًا، بدأت أتنفس من جديد.
التعافي والبقاء قرار
بعد أن بدأت أتعافى، اتخذت أصعب قرار: سأعمل. وضعنا المادي سيئ جدًا؛ زوجي لا يعمل، ولا يوجد معيل لنا سوى راتب تقاعدي لا يحصل منه إلا على نصفه. عندما أخبرته، رفض بشدة ومنعني من الخروج، وحدثت مشاكل كثيرة. لكنني كنت مصممة. قلت: “إما أن أعمل، أو أعود إلى بيت أهلي، لكنني لن أتراجع.” دعمني إخوتي ووفّروا لي عملًا لأعيل عائلتي. واجهت مشاكل كثيرة وخرجت من المنزل أكثر من مرة، لكنني كنت أعلم أنني أسير نحو الحياة. ساعدتني جلسات الدعم على أن أكون أكثر وعيًا وتوازنًا، وكانت تقويني كلما ضعفت. لم يتغير موقف زوجي كثيرًا، لكنه لم يعد يكسرني.
اليوم، أنا صاحبة مشروع ريادي: مطبخ صغير لإنتاج المأكولات المتنوعة. أعمل فيه مع أم شهيد، وشاركنا في مشروع تمكين اقتصادي ساعدنا على تطويره. لم يكن مجرد مطبخ، بل مساحة استعدت فيها نفسي. اليوم لم أعد أخاف من كلام الناس أو أعيش لإرضاء الجميع. أصبحت قوية، صامدة، شغوفة بعملي، ولدي طموح لتطوير مشروعي ليصبح أكبر.
رسالتي لكل امرأة تمر بتجربة مشابهة
انفضي الغطاء عن نفسك. كوني صادقة مع ذاتك. لا تنتظري أحدًا. اسعي لتحقيق أهدافك، فالله لا يهمل من يسعى.



